مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

حكاية منير والمريلة الكحلي !


في عام 1990 أطلق الفنان محمد منير ألبومه العاشر "إسكندرية"، الذي حمل بين طياته واحدة من أرق وأصدق أغانيه الرومانسية "المريلة الكحلي". هذه الأغنية التي كانت قصيدة حب صاغها شاعر العامية الكبير صلاح جاهين، ولحنها باقتدار مدحت الخولي، الذي قام بتلحين العديد من الأغنيات الشهيرة لنجوم الطرب والغناء في تسعينيات القرن الماضي, وحققت الأغنية نجاحاً مدوياً لتتحول بعد فترة قصيرة إلى ما يشبه "النشيد الرسمي" لشريحة عمرية كاملة ضمت طالبات المرحلتين الإعدادية والثانوية بعد أن نجحت الكلمات في ملامسة أحلامهن بمفردات سهلة وبسيطة ومعبرة، وتجسيد ذلك "الضجيج الرومانسي" الذي يسكن الوجدان في مرحلة "بكارة القلوب" التي تمر بها الفتيات في هذه المرحلة العمرية الحالمة، حيث تفيض المشاعر بالحنين وتتغذى على أحلام اليقظة  الوردية.
لم تكن الأغنية بعيدة عن الواقع وكنا في المرحلة الجامعية في مدينة سوهاج، حيث تتجاور الجامعة مع المدارس الثانوية للبنات، وما أن تدق أجراس المدارس وقت الانصراف حتى تملأ "غابات المرايل الكحلي" شارع المحافظة المواجه للجامعة في الوقت الذي كان يتوافق غالبا- ودون قصد طبعا- مع عودتنا من جلساتنا في حي العرب الملاصق للمنطقة حيث المقاهي البسيطة التي تتناسب مع إمكانياتنا المالية المتواضعة, لتتقاطع في ذلك الوقت آمالنا وطموحاتنا كطلبة جامعيين مع عالم حكاية منير والمريلة الكحلي ! تلك "الشريحة العمرية المبهجة" حسب تعبير صديقنا وضيفنا الدائم الشاعر زين العابدين الطاهر (طالب الطب بأسيوط آنذاك), هذا التعبير الذي كان يصف بكل دقة تلك الحالة الفريدة من الحيوية والجمال التي كانت تملأ الشارعفي ذلك الوقت.
وفي الحقيقة لم يكن منير مغنيا طربيا مثل أبناء جيله الحجار والحلو ومدحت وحتى محمد فؤاد لكنه كان حالة خاصة في كلماته وألحانه واختياراته الغنائية بشكل عام؛ ولذلك فقد مثل لجيلنا حالة من التمرد على الطرب القديم بمفهومنا في ذلك الوقت, وصاغت أغانيه وجداننا وصعدت بأحلامنا وخيالاتنا عاليا وكانت رفيقا لكل حالات وقصص الحب "الضائع" دائما في تلك السنوات البعيدة، جمع منير بين الأصالة والتطور من خلال أعماله التي كسرت نمطية الأغنية العاطفية التقليدية بموسيقى  وكلمات وأسلوب غناء عشقناه "كصعايدة" لأنه حمل لهجة الجنوب و"رنة" صوته وسحر تراثه الفني والأسطوري, لذلك لم يكن غريبا أن تستفز أغنية مثل "المريلة الكحلي" عندي قريحة الكتابة التي كنا نتلمس محاولاتنا الأولى فيها, ورغم ذلك لم نكن نخلو من "نزق" وعنجهية أدبية قد تبدو غالبا ملازمة لتلك المرحلة العمرية والإبداعية, هذا النزق الذي شحن "غروري الساذج" بأن الخيال الذي حول به صلاح جاهين قطعة قماش كمريلة مدرسية إلى أيقونة للرومانسية، هو ذاته الخيال الذي يمكنني محاكاته سردياً، محاولا التعبير عن الحالة الخيالية التي تجمع بين براءة الطالبات في شوارع "المرايل الكحلي" وبين أساطير الجدات في حكايات السرداب, وفي لحظة مداعبة فنية حاولت محاكاة هذه الحالة الغنائية بكتابة قصة قصيرة تحمل ذات الروح الرومانسية الحالمة، في محاولة للرد على "أغنية منير" بنوع من المعارضة الفنية النثرية ولو من حيث الموضوع ..  ومحاولة لاستعادة تلك اللحظات الفاصلة بين الواقع والخيال، وبين المريلة الكحلي وأحلام الطفولة المتأخرة, لكن من خلال وجهة نظر أخرى تواجه حالة "التوهان والضياع الرومانسي" بحالة أخرى تدرك أن الخيال مهما كان حالما وجميلا فهو في النهاية مجرد حلم يبقى دائما رهن انتباهة مفاجئة وربما ساذجة وبسيطة وقد تدمع العين منها رغم ضرورتها في حياتنا. 
ولسبب ما ربما كان انشغالنا في الامتحانات لم أهتم كثيرا بعرض القصة على أصدقائي- كعادتنا- ونسيتها تقريبا لتضيع في عالم النسيان مثل أوراق كثيرة قصصا كانت أو مشاريع أو أفكار لروايات, ولأنني أتبع دائما نصيحة أمي عليها رحمة الله "ماترميش حاجة أو تتخلص منها لأنه هييجي يوم ويبقالها عازة" ولذلك عادة ما أحتفظ بتلال من الأوراق والقصاصات أصطحبها معي أينما أنتقلت أو استقر بي المقام, وما بين وقت وآخر أقلب في "كراتين" الكتب القديمة لأفاجأ بأوراق أو موضوعات لاتسعفني الذاكرة كيف ومتى كتبتها.
خلال الأيام القليلة الماضية وبالصدفة وأنا أسمع أغنية منير الشهيرة لمع في ذاكرتي فجأة القصة القديمة التي كتبتها بمناسبة تلك الأغنية وعلى الفور قمت بالبحث في كراتين الكتب والأوراق القديمة حتى وجدت القصة مكتوبة بخط اليد في وريقات قليلة, وكانت فرحتي بها تشبه فرحة من وجد لفافة ورق بردي من أيام قدماء المصريين !
المهم أعدت قراءة القصة التي لم تنشر من قبل وأعدت كتابتها على الكمبيوتر دون تعديل في متنها أو لغتها كعادتي لكن هذه المرة قمت بتغيير وحيد في القصة وهو الأسم الذي اخترت أن يكون " عالية لاتنام" بدلا من اسم البطلة القديم لكي أتمكن من إهدائها إلى ابنتي الوحيدة "عاليه" في عيد ميلادها الرابع عشر والتي دائما ما اداعبها بأغنية منير " أجمل مافيهم مين غير بنتي".
عيد ميلاد سعيد لعاليه ولكل فتاة مصرية في هذه الشريحة العمرية الحالمة التي غنى لها منير أغنية كانت سببا في كتابة هذه القصة.
 

عاليه ..لاتنام!
عاليه راجعت دروسها في المساء حتى غالبها النعاس ..قامت لسريرها الصغير وضعت رأسها المتعب على مخدتها فلم تنم..هى تنام دائما والنور – نور حجرتها – مضاء..وحجرتها على الميدان مفتوح شباكها, والنور الذاهب من فتحة الشباك يفرش في الشارع الحزين مساحة من الأرض تقارب الحقيقة!..عاليه اعتدلت وأشارت- ككل ليلة - للمصباح فخفت نوره كثيرا واختفت من أرض الشارع /الميدان مساحة الحقيقة.
في الظلام جاءها الخيَال..شال البطانية من فوق جسدها..فاجأها تحققه ولم يفجأها حضوره..يا خيًال كم كانت البطاطين الصوفية باردة..مد الخيَال يده فمدت يدها..سرت قشعريرة كل يوم في جسدها ..هي بجلباب النوم الأبيض وهو بملابس الخيَال المزركشة...مشيا معا ناحية حجرة الكرار الكبيرة في خلفية الدار..الحجرة التي كانت عاليه تخاف الذهاب إليها في وضح النهار..أخاف ياأمي..أنت كبيرة والكبير لا يخاف..كلما نكبر نخاف أكثر يا أمي.
عاليه وهى صغيرة- وحتى لما كبرت- كانت تسمع كل يوم في النهار وفي الليل عراك العفريت وعيالة الصغار وأصوات بعثرة البصل على أرضية الكرار..عاليه تراجعت..يا خيَال: أخاف من العفريت وعياله..قال الخيَال: لاتخافي أنا أكون معك..أشار ناحية المصعد القبلي للدار ..دخلا الكرار, وعاليه أخذت بصلا كثيرا في حجرها- ملء حجرها- ووضعته في كل مكان, في المطبخ, وبجوار الحمام, وفي حجرتها, وفي المجاز الواصل بين حجرات المعيشة وحجرة استقبال الضيوف, وأطعمت بقرتها الكبيرة وحمار أخيها الصغير..والخيَال ينادي باسمها..اطمأنت أن الكرار ليس فية بصلة واحدة .. عاليه سألت : أين حصانك يا خيًال..أشار ناحية الجبل الغربي تحت الجبل بالضبط ..نأخذ العفاريت معنا يا خيَال..عاليه لاتعرف أن الحصان لاثنين ..اثنين فقط..نزلا في السلم الطويل الممتد تحت الكرار..دخلا في النفق المظلم..الخيَال ماسك يد عاليه وهى تقوده للطريق الذي تعرفه جيدا من حكايات خالها "معاطي" الأسطورية.
كان جدي لما يتعب من هموم الخلق ينزل إلى هذا السلم ويمشي فيه للآخر..يغيب باليوم والأسبوع وأحيانا بالشهر..يرجع بالذهب وبالجنيات..آه ..جدتي كانت تغار من الجنيات وجدي يضحك.."الجنيات حلوات لكن ما حد يشوف جمالهن"..جدي يمشي بالجنيات وجدتي تمضي بالذهب ..وتسكت حزينة.
أنا وخالي معاطي ..زمان - قبل موت خالها معاطي – كان يمشي في السرداب ماسكا يدي ويتذكر– خالها معاطي- التاريخ الأسطوري لأسرتهم..يا خيَال..ودائما "يرجع فاضي" ..لا ذهب ولاجنيات.. وأبي يضحك وأمي تحزن.. والخيَال ساكت وعاليه ساحبة يده لأخر النفق والسلم حتى ظهرت الأرض الخضراء البراح.
فين حصانك ياخيَال؟
تحت الجبل البعيد ..الحصان أبيض وفي جبهته جروح ..جروح الحروب التي دخلتها حتى أصل إليك يا عاليه..عاليه مسحت الجروح " الكاذبة " من على جبهة الحصان ورغم ذلك ركبت وراء الخيَال وتشبست بسرج الحصان ..أين يا خيَال تلك البلاد البيضاء البعيدة ..الحصان انطلق كالريح وشعر عاليه الأسود الفاحم كان " طاير وراها" ومن غير آخر..أين البلاد البيضاء البعيدة ياخيَال.. الحصان يجري في الفضاء الواسع ورائحة البصل بدأت تغزو أنف البنت, وهى تقترب مع ازدياد سرعة الحصان..حتى البلاد البيضاء البعيدة يا خيَال فيها كرار, والكرار فيه عفاريت يبعثرون البصل..الخيَال عطس فجأة وعطس وعطس, وعاليه الجميلة وقعت من على ظهر الحصان..والخيًال راح بعيدا جدا بحصانه الأبيض ..راح وعاليه تنظر بحسرة ناحية البلاد البيضاء البعيدة..جرى وجرى وشافته عاليه وهو يبتعد, وشافت الدنيا حولها ظلام في ظلام في ظلام..وشعرها الأسود الطويل كما الليل ممدود ومشدود خلفها..امسكت عاليه شعرها وتحسسته ومضت على هداه تجري وتطويه .. وتهتدي برائحة البصل تحت الجبل والنفق والسرداب وحجرة الكرار .. صعدت لحجرة الكرار .. طلعت من الأرض .. والعفاريت كانوا كالموتى !! من غير شجار .. قذفتهم بالبصل وطارت خارجة .. سمعت صوت بعثرة البصل من جديد .. عادت لحجرتها واندست في البطاطين .. أشارت للنور فأضاء من الشباك مساحة من الأرض .. تقارب حجم الحقيقة .. نامت .
في الصباح ملأت عاليه حقيبتها بالكتب وبالبصل .. وراحت المدرسة تعرج .. حكت للبنات عن الخيَال .. والبلاد البيضاء البعيدة .. وشجار العفاريت المضحك .. وأعطت لكل واحدة منهن بصلة بحجم القلب .
كل البنات في الليل أطفأوا الأنوار ونمن بجلابيات النوم البيضاء .. وضعن البصل تحت رؤوسهن المتعبة .. فتحن شبابيك الحقيقة واستعددن للآتي!